إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 1 يوليو، 2012

نصف قرن من العزلة يكفى ... 

أقرين ولد أمينوه (رأي حر)



من بين الجبال المتشحات بالسواد، والأودية المترعة بعبق التاريخ ،تعيش مدينة " الرشيد "عاصمة بلدية الواحات في تكانت هذه الأيام حراكا شعبيا لا يتوقف ، يُغذيه سؤال وحيد يتردد على كل الشفاه !! .
هل سيمر طريق تجكحة ـ أطار بمدينتنا ؟ ، قد يبدوا الجواب سهلا ، حسب منطق الأشياء البسيط فالطريق الذي بدأت الأشغال فيه رسميا قبل أسبوعين و البالغ طوله 365 كلم ممتدة عبر صحارى و جبال اقتلعتهم العزلة و رمت بهم بعيدا في متاهاتها .


و للمرة الأولى منذ زمن بعيد ، أصبح من الممكن فعلا تصور شريان أمل يحمل معه غد مشرق ، ينعم فيه مواطنون بسطاء لا ذنب اقترفوه سوى أن الأقدار رمت بهم في منكب برزخي ، حيث لاشيء يكسر صمت العزلة المطبق.


تقول الحكاية انه حدث ذات صيف أن أجنبي كُلف بإعداد دراسة عن الطريق ، و أراد أن يُنهى عمله بأسرع مما ينبغي ، أضف إلى ذلك أنه لا يرى ضرورة أن يمر هذا الطريق على أية قرية ولا مدينة، ولا يرى جغرافية الأرض بعيون أهلها ، ولا يلقى بالا لواد خلدت أمهات " لبتيت "
اسمه، ولا تجمعه ألفة مع أرواح من سكنوا هذه القرى وبقيت أرواحهم تحوم حول المكان بعد أن رحلت أجسادهم .
حدث أن قام هذا المهندس برسم خط مستقيم فى ظهيرة يوم قائظ صور له الأشياء على غير حقيقتها ، وقرر أن يرسم للطريق مسارا يحرم مدنا و قرى وتجمعات سكنية معزولة من أخر أمل يتعلقون بأذياله ليفكوا عنهم طوق العزلة الرهيب ، وتماما كان له ما أراد عن قصد او عن سوء طالع... وفاتتهم فرصة وحيدة وهي أن يمر الطريق الأمل بمدنهم وقُراهم .
ومن عجائب الأقدار أن دراسة ثانية أعدت و بأيدي موريتانية هذه المرة تضع نصب أعينها هدف واحد ، وهو أن الطريق إذا لم يفك العزلة عن ساكني هذه المناطق فلا فائدة من ورائه ، و جاءت الدراسة مبشرة فحدث أن كان الفرق بين الطريقين 10 كيلومترات ، و إذا حسبنا التكلفة بنفس المنطق البسيط السابق فإنها تكلف خزينة الدولة مليار و 200 مليون أوقية ، حيث أن الكيلومتر الواحد يكلف 120 مليون أوقية .
و المفارقة البسيطة أنه إذا افترضنا جدلا أن الدولة الموريتانية قامت بقطع تذاكر سفر ( من أطار إلى تجكجة ) لجميع سكان أطار، فإنها ستنفق تقريبا 600 مليون أوقية فقط ، في حين 10 كيلومترات تكلف ضعف المبلغ !!
لا يمكن أن يعيد التاريخ أحداثا وقعت سنة 1908 م، حيث دكت مدافع المستعمر الفرنسي مدينة الرشيد التي مازالت أطلال " قديمتها " شاهدة على ذلك اليوم ، و اليوم مازالت بلدية الواحات وعاصمتها الرشيد تقاوم العزلة والبعد .... وتتمنى أن لا يًكتب لها الاندثار على الأقل على أيدي أبنائها بعد أن سلمت منه على أيدي المستعمر .
ويبقى أمل يُداعب أخيلة ساكني الرشيد أن يصل أحدهم إلى تجكجة لعلاج أو دراسة دون أن يقطع ساعتين يعاني فيهما الأمرين ، في حين أنه بالإمكان قطع المسافة في 20 دقيقة دون عناء يذكر ..وتختفي مقولتهم المأثورة التى يرددونها يوميا " السفر قطعة من العذاب " .
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق